الشيخ محمد هادي معرفة
238
تلخيص التمهيد
الجمل القصار ولا يكون إلّابحرف قويّ يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما ممّا هو موصوف بضروب أخرى من النظم الموسيقي . وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعيّ في كلّ نفس ، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس ، سواء كانت تفهمه أو لا تفهمه . فقد تألّفت كلماته من حروف ، لو سقط واحد منها أو ابدل بغيره أو اقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللًا بيّناً ، أو ضعفاً ظاهراً في نسق الوزن وفي جرس النغمة ، وفي حسّ السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج ، وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض ، ولرأيت لذلك هجنة في السمع . قالوا : إنّ مردّ هذا الإعجاز في القرآن بالدرجة الأولى هو ما يستثيره في القلب من إحساس غامض لمجرّد أن تصطفّ الحروف في السمع بهذا النمط الفريد ، ذلك العزف بلا آلات وبلا قوافٍ وبلا بحور وبلا أوزان . حينما نصغي إلى ما يقوله زكريّا لربّه - فيما اقتصّ من القرآن - : « قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا » « 1 » . أو نستمع إلى كلام المسيح في المهد صبيّاً : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا » « 2 » . أو تلك الجملة الموسيقية التي تتحدث عن خشوع الرسل : « إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا » « 3 » . أو تلك النغمة الرهيبة التي تصف اللقاء باللَّه يوم القيامة :
--> ( 1 ) . مريم : 4 . ( 2 ) . مريم : 30 و 31 . ( 3 ) . مريم : 58 .